ابن عربي

111

فصوص الحكم

غير أننا يجب أن نكرر هنا ما ذكرناه من قبل عن التمثيل بالمرايا وصورها ، وضروب التمثيل الأخرى التي يستعملها ابن عربي - وذلك أن كل تمثيل من هذا النوع لا يخلو من شيء من الغموض والتضليل من ناحية أنه أمر محسوس يراد به إيضاح ما هو في نفسه غير محسوس ، ومن ناحية أنه يشعر بالاثنينية حيث ليس في الأمر اثنينية ولا كثرة بأي وجه . فليس من الممكن أن نتصور الشخص وظله إلا على أنهما شيئان متميزان مهما قيل من أن الظل لا وجود له بدون الشخص ومن أنه يستحيل عليه الانفكاك عنه . فاتصال الظل بالشخص وافتقاره في وجوده إليه شيء ، والقول بأنهما حقيقة واحدة شيء آخر . ولكن هذه هي الدعوى التي يدعيها ابن عربي في الصلة بين الله والعالم عندما يشبه العالم بظل الله ويقول يستحيل على الظل الانفكاك عن ذاته هل ظل الشيء عين ذاته : أم هو أثر من آثاره وعرض من أعراضه ؟ وهل للذات وجود في الظل الممتد عنها كما أن للحق وجوداً في صور الممكنات ؟ هذه وأمثالها أسئلة فيها من جفاف المنطق ما لا تتحمله المعاني الشعرية التي يوضح بها ابن العربي نظريته فيجب إذن ألا ينظر إلى لوازم كل هذه التشبيهات وألا نحكِّم منطق العقل في المسائل الذوقية والشعرية . وهناك تمثيل آخر يذكره بعد التمثيل بالظل مباشرة ويوضح به اختلاف تجلي الحق باختلاف صور الممكنات ، لأنه يُشَبّه الحق بالنور الذي لا لون له ، ويشبه الخلق بالزجاج الملون ، ويقول إن الحق يظهر في صور الموجودات بحسب ما تقتضيه طبيعة هذه الصور كما يظهر النور المرئي خلال الزجاج الأخضر أخضَرَ ، والمرئي خلال الزجاج الأحمر أحمر وهكذا . فاللون هو الذي حجب النور عن أن يظهر على حقيقته ، كما أن صور الممكنات هي التي حجبت الحق عن الظهور بذاته في صورة غير متعينة . فالنور هو الحق أو الذات الإلهية ، والزجاج هو العالم ، والألوان هي صور الوجود المختلفة . والذات الإلهية لا لون لها : أي ليس لها في نفسها صفات ولا خصائص ولا نسب ، وإنما تظهر بهذه